تأملات في موت بوجميع و أغنية “آ نادي يانا” لناس الغيوان

  الأربعاء, 4 يناير, 2017 14:35

تحكي لوحة “موت سقراط” الشهيرة للفنان الفرنسي جاك لوي ديفيد، قصة سقراط أثناء اللحظات الأخيرة من حياته، حين حكمت عليه الحكومة بأن يختار بين الموت بالسم أو النفي، عقابًا له على الدروس التي كان يعطيها ويحرض فيها على احتقار الآلهة، واختار سقراط الموت بالسم، وفي اللوحة يبدو متماسكًا وهو يمد يده ليشرب السم، دون أن يتوقف عن الكلام مع تلامذته.

بهذا المعنى يظهر اسم الموسيقي والمسرحي والزجال بوجمعة أحكور المعروف باسم “بوجميع”، الذي أعطى شرارة انطلاقة مجموعة غنائية في ستينيات القرن الماضي بالحي المحمدي، فأصبحت وجعا لبعضهم ومعبرا عن كثريين منا.

غير أنه في سنة 1974 سيصل إلى عائلة بوجميع الكبيرة خبر وفاته يوم 27 أكتوبر بعدما شارك في سهرة طلابية بمدينة القصر الكبير يوم 24 ذاته الأكيد أن بوجميع يبدو متماسكا طوال حياته..

تمت سؤال مؤرق و يفترض المواجهة لماذا لم تغني المجموعة الغنائية عن موت بوجميع بشكل صريح و إختارت التغني بقصيدة ثراثية تتضمن ثلاث إنطلاقات سنسهب في شرحها ولو أن المقام سيطول بنا هاهنا ؟

صوت ملأ الدنيا وشغل الناس

رأى النور الرجل الذي تعود جذور والديه إلى منطقة لمنابهة بنواحي اقليم تارودانت وإبن درب مولاي الشريف بالحي المحمدي تحديدا كريان خليفة سنة 1944، الرجل الذي إعتلى ركح المسرح وقاوم خيبات أمل المواطنين والفقراء من الناس بصوته وحضوره القوي فوق منصة الأداء…الرجل الذي كان حيا ومات حيا.. !

من حسنات تردده الكثير على مقهى المتقفين هناك في “كازا بلانكا” أنه صادف في المكان ذاتهمحمد زفزاف وهو واحد من أهم الأدباء المغاربة المعاصرين، و أحد أكثر الكتاب المغاربة مقروئية في العالم العربي، تجاوزت إبداعاته المحلية، حيث ترجمت مجموعة من أعماله للغات غير العربية، وتميزت تجربته الأدبية بتواتر تيمات العوالم السفلية و الإقصاء الاجتماعي، حيث حذته بوجميع عن حلم تأسيس فرقة مختلفة وعلى غير منوال ماهو سائد أسس الرجل المجموعة و إعتنى بها عقد ونصف من الزمن، ورحل بعد أن تقيأ دما.

موت بوجميع تاريخ لايبلى ولايمسه تقادم

تظل ذاكرة الصغير كما الكبير تحفظ تاريخ موت أو موات بوجميع، ويظل كل من تحدث بلسانهم، وكل من ألمهم صوت الرجل و أفزعتهم دلالات ومعاني كلماته، ورغم كل هذا وذاك فهو لم يتكلم بعد،الأمر الذي عبر عنه شقيقه محمد بالقول “ربما كان بوجميع يريد قول أشياء أو إيصال أمور وقضايا أكبر من مجرد حمل الدعدوع والصدح بالغناء”.

تظل أغانيه وتاريخه وتفاصيله وصوره و ألحانه قائمة ولا تبلى، ويظل صوته موته وغيابه عن ركح المسرح ومنصات الأداء وغياب “الدعدوع” في الالات المجموعة حضور لا يحجبه الموت، مهما كانت الاسباب والتأويلات.

جاور بوجميع معتقل درب مولاي الشريف السري، وتعرف على معاناة الناس وخيباتهم، وشكل ضمير الفقراء في رفض الأوضاع القائمة على قمع الحريات والتسلط، وقدم نفسه مناضلا بالصوت والاداء الجمالي للموروث الشفهي، بطريقة جعلته يجوب سرائر المقهورين في الوطن من الناس، وتواثر الناس رويات عن موته في غياب أي تبني حقيقي من الهيئات الحقوقية لهذا الموت..فمات الرجل مرة أخرى !

تعددت الشكوك حول موت الرجل، غير أن الأنسب في هذا الصدد أن نحكي بعضا من ما أوردته العائلة حين سارعت حيث يقطن بوجميع بمكان تداريب المجموعة بحي “روشنوار” بمدينة الدار البيضاء.

عبد الله أخ بوجميع: “لما وصلت كانت “كشكوشة” في فمه تنبئ أن موته لم يكون طبيعي، والى جانب رأسه قارورة ماء معدني وعلبة طماطم انتظرنا حتى الصباح – يضيف عبد الله- ، وحضر الطبيب الذي رفض دفن الجثة في البداية إلى حين التوصل بتقرير الطبيب الشرعي بعد تشريح الجثة لمعرفة أسباب الوفاة، مؤكدا أن وفاته والحالة التي عليها لا تنبئ بكون وفاته طبيعية” ويضيف عبد الله،” لقد خرج الطبيب من البيت لدقائق وعاد مسرعا مطالبا بدفن الجثة وبوجه السرعة، وأصر على أن يحضر مراسيم الدفن، متراجعا عن مطالبته بتقرير الطبيب الشرعي”.

لسنا في حاجة على التأكيد أن الرجل إختفى مدة ثلاث أيام وعاد للمنزل فتناول بعضا من الأعشاب “اللويزا” ونام بعدها حل الألم ومات.. حتى الموت في وطنك يا بوجميع غريب .

كيف بكت ناس الغيوان “بوجمعة أحكور”

مباشرة بعد موت بوجميع أدرك رفاقه أن موته لم يغيبه عنهم، وسيظل حاضرا بينهم كما يحفظ المجتمع والتاريخ وذاكرة من ألمهم صوته وتعابيره، وبذلك أفردو له موال خاص جاء في مطلعه:

من المحال يا قلبي باش تنساه…
من المحال يا قلبي… وأنت تهواه.
ياك اقلبي جيت غريب…
ياك اقلبي و من بلاد بعيدة.
ياك اقلبي هجرت الأوطان…
ياك اقلبي وبلادي العزيزة.
يا ليعت قلبي…
ويا بكاه…
ويا حسرته.
يا ليعت قلبي أياك دموعوا على غربته.
الريـــــــــــح والسحاب رشات…
والغيم مظلم عليا.
الحباب ڭاع جفات…
بقيت فريد والعمدة عليا.
من المحال يا قلبي باش تنساه…
من المحال يا قلبي… وأنت تهواه.
يا الأبصار الشايفة.
ويا القلوب العارفة.
يا الجبال الواقفة.
ويا الرياح العاصفة.
هﺫا جيل جديد…
مافيه عبد ولا سيد
روحي قالت حالفة ما تقطع الموالفة…

بكت المجموعة بوجمعة أحكور في القطعة الثانية بموروث غنائي شامخ كالهرم لا يتلاشى وسيظل مادام هناك حياة، بكا رفاق بوجميع رفيقهم بأغنية تلاثية التشكل وبصوت يعتصره ألم الفراق ووجع الموت وبكلمات تعارفت في الثراث اللامادي بكونها تعود إلى مجتمع البداوة حيث رجل تحتضنه إحدى العائلات ويشتغل لديها بمقابل بسيط ولما تنسم بعضا من الحرية أخبر العائلات أنه في حاجة إلى مغادرتهم فكان ذلك، وحين عودته ولو بعد مدة طويلة من الزمن وجد العائلة التي طلب منها حريته قد رحلت فعادت به الذاكرة إلى كل تلك اللحظات الأولى فأنشد قائلا:

أنا يا الحيط بكي و نادي انا
انا وفين مواليك و نادي انا
انا نبدا لمسيرة ونادي انا
وانا من شور لقبلة ونادي انا
وانا للا خيرة ونادي انا
وانا وتفرح بي ونادي انا
وانا وزيد آ لكرين ونادي انا
انا ومرحبا بك ونادي انا
انا وزيد آ لكرين ونادي انا
انا تفرش لحنبل ونادي انا
وانا حكي يا لكرين ونادي انا
وانا واش جرى ليك ونادي انا
ما تخمم في ضيق الحال ونادي انا
رحمة ربي ما وسع ونادي انا
الشدة تهزم لرذال ونادي انا
أما الرجال ما تقطع ونادي انا

ولأن ناس دأبوا على البساطة و الوضوح واصلو رثاء رفيق دربهم بقطعة عنونتها المجموعة ب”النادي يانا” في وصف دقيق وعميق لارتباطهم الوجداني بوجمعة أحكور بصيغة الأداء الجماعي..على الشكل التالي:

خيي مات البارح
و اليوم جات اخباره
خيي مات مضيوم
ناس أهله ووكاره
لا لا خيي ما زلت معايا
و لا أنا مصدق مازلت حدايا
قلت لخيي ضرب الحية
قلت لخيي راس الحية

بهذا الإيقاع الاخاد والكلمات المعبرة واللحن الجميل عبرت ناس الغيوان عن أمال و ألام الوطن والناس، في إشارة إلى ان موت بوجميع لا يعدو ان يكون واحد من المواطنين الذين تعبرو المجموعة عن ألامهم و اهاتهم و بدأ جماعي لأغنية نادي يانا كإشارة إلى قيمة ودلالة العربي في ذاكرة رفاقه.

tazarni.idriss@gmail.com



>

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التعليقات الواردة من القراء تعبرعن ارائهم فقط، دون تحمل اي مسؤولية من قبل موقع الرأي المغربية