عودة زمن الشيطان

  الخميس, 26 يناير, 2017 12:52

 

  في إحدى روائع الأدب الإسلامي يحاول الكاتب نجيب الكيلاني من خلال روايته رحلة إلى الله أن ينقل لنا شيء من زمن الشيطان الذي عاشته مصر طوال فترة حكم جمال عبد الناصر منذ الإطاحة بالملك فاروق أي منذ 1956 إلى وفاته سنة 1970، زمن حكمه الشيطان وزبانيته بالحديد والنار وعرفت مصر وقتها أسوء أزمنتها وفعل ما لم يفعله الانتداب البريطاني فيها، يتنقل نجيب بينا في سطور روايته بين أسوار السجن الحربي في محاولة منه تقريبنا من البطش والسياط الذي كان يناله المعتقلون رجال ونساء، شيب وشباب، مصريون وسوريون وفلسطينيون وحتى السودان، سياط لم تفرق بين من فعل ولم يفعل، تهم واهية تدور جلها حول معاداة ثورة الضباط ومحاولة اغتيال جمال عبد الناصر والانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين وبهذه التهم كفيلة بأن تلقي بالمرء داخل أسوار السجون بلا محاكمة ولا دلائل وحتى إن تمت المحاكمة فلا تعدوا أن تكون محاكمة صورية إلا كما يروي الكاتب في روايته وهو ما تؤكده الحاجة زينب الغزالي من خلال سيرتها الذاتية أيام من حياتي.

  إن المتصفح لتاريخ والمتمعن في الحاضر سيدرك لا محال بأن زمن الشيطان يتكرر من جديد وان مصر أصبحت بكل شبر فيها مملكة لشيطان يفعل فيها أفاعيله ويعلوا على عرشها، وكما عادة كل عهد شيطان هناك فئة من الناس تنحوا في رحلة نحو الله فتنال من سياط السجان وبطشه وتقاوم وتصبر وتحتسب الأجر، والغريب في الأمر أن الطغاة يتشاركون في بلادتهم وجبنهم وفي بطشهم فلا يملكون إلا أن يحكموا بالقوة ولا شيء غيرها، فما أشبه السيسي بعبد الناصر بل إن الأول لم يحاول أن يخفي تأثره بأستاذه الذي تعلم عنه فنون البطش وقانون الحكم بالنار وهو ما دفعه إلا افتتاح متحف باسمه  في الذكرى 46 لرحيله، كما أن كره الإخوان المسلمين واحد من أبرز عوامل الشبه بين كليهما والعمالة لصهيونية ثاني المشتركات غير أن عبد الناصر يظهر نوعا من العداء العلني والكثير من التطبيع تحت الطاولة غير أن السيسي لا يخجل من التعامل العلني مع الكيان الصهيوني وتبادل الزيارات الرسمية  إلى درجة أنه وحسب باحثين من ضمنهم البروفسور أفرايم كام أن مستوى التطبيع قد بلغ مرحلة لم يسبق أن وصلها من قبيل بين القاهرة وتل أبيب.

  وحتى لا تكون هذه السطور مجرد كلام فارغ لنذهب إلى جرد بعض الأحداث والوقائع التي تؤكد عودة زمن الشيطان، فالكل يعلم كيف وصل الشيطان الجديد إلى سدة الحكم، حيث أن الطريق التي سلكها لا تختلف عن الشيطان القديم فمنذ 30 يونيو 2013 موعد بداية الانقلاب وفي ظرف سنة رصدت مواقع إعلامية مختلفة 12 مجزرة ارتكبها نظام العسكر وهي:_مجزرة بين السرايات، 2 يوليو 2013، الحصيلة 23 شهيدا_مجزرة الحرس الجمهوري، 8 يوليو 2013، الحصيلة 103 شهداء_مجزرة رمسيس، 15 يوليو 2013، الحصيلة 10 شهداء_مجزرة المنصورة، 20 يوليو 2013، الحصيلة 11 شهيدا_ مجزرة تفويض السيسى (المنصة)، فجر 27 يوليو 2013، الحصيلة 130 شهيدا على الأقل_مجزرة فض الاعتصامات، 14 أغسطس 2013، الحصيلة 3000 شهيدا على الأقل_مجزرة رمسيس الثانية، 16 أغسطس 2013، الحصيلة 103 شهداء تقريبا_مجزرة سجن “أبو زعبل”،  18 أغسطس 2013، الحصيلة 37 شهيدا على الأقل_مجزرة يوم 6 أكتوبر 2013، الحصيلة 51 شهيدا على الأقل_المجازر الطلابية، 6 شهداء على الأقل_مجزرة يوم الاستفتاء على وثيقة دستور الدم، الحصيلة 12 شهيدا_ مجزرة الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير 2014، الحصيلة 100 شهيد، وبهذا تكون انطلاقته غاية في الدموية.

 ولنلقي ولو نظرة خاطفة على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية في مصر عهد الشيطان، فمن الناحية الاقتصادية يواصل الجنيه المصري انخفاضه إلى أدنى المستويات وهو ما أخل البلاد في أزمة اقتصادية خانقة لم تسعفها المساعدة  الخليجية والأجنبية التي تلقها نظام العسكر فدول الخليج وحدها تقدر مساعداتها منذ من منتصف 2013 ب 50 مليار دولار ورغم ذلك قد ارتفع حجم الدين الخارجي لمصر خلال 2016 وحدها ليصل إلى 55,7 مليار دولار وهو ما انعكس على ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مهول، ولا عجب إذا وجدنا أن عصر عبد الناصر هو الأخر شهد أزمة اقتصادية إذ في عصره انخفض الجنيه أيضا حيث انتقل من 4 دولار إلى 2,5 دولار، فما أشبه حكم العسكر يومه بأمسه. ومن الناحية أخرى يذكر الأستاذ مصطفى محمود في كتابه الإسلام السياسي والمعركة القادمة:” سيشهد التاريخ أن عبد الناصر تسلم مصر وهي اسمها مملكة مصر والسودان ويقع قطاع غزة تحت إدارتها وسلمها لمن بعده من غير السودان ومن غير غزة ومن غير ثلث مصر (سيناء) وهاهو نفس الأمر يتكرر مع السيسي الذي يهب السعودية جزيرتي تيران وصنافير وهو ما أحدث موجة من الغضب العارم عليه. أما الأوضاع الأمنية فحدث ولا حرج فسيناء أصبحت مسرحا للعماليات الإرهابية وليس ذلك بغريب على جيشه ترك الحدود ووجه مدافعه لشعب الأعزل.

  الأوضاع الحقوقية في عهد السيسي لا تختلف عن جمال عبد الناصر إلا في المزيد من القسوة، فحسب موقع منظمة العفو الدولية فإن الوضع الحقوقي في تدهور مشيرة إلى أن عمليات القبض الحاشد قد حلت محل المظاهرات الحاشدة، وقدرت ذات المنظمة عدد المعتقلين تجاوز 41 أشخص وجهة لهم اتهامات بارتكاب جرائم جنائية أو حكم عليهم في محاكمات غير عادلة، إضافة إلى ذلك أعبت المنظمة على القانون الذي أصدره النظام المصري لمكافحة الإرهاب متهمة إياه بأنه يعرف العمل الإرهابي بعبارات مبهمة وفضفاضة للغاية. فخلال فترة حكمه حاول السيسي أن يشرعن لإرهابه بمجموعة من القوانين وما قانون 94 المتعلق بمكافحة الإرهاب إلى واحد يضاف إليه قانون تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية” (القانون رقم 107 لسنة 2013) والذي فرض من خلاله قيود تعسفية على الحق في حرية التجمع السلمي، فخلال 2014 أعلنت السلطات  القبض على ما لا يقل عن 22 ألف شخص بتهمة الانتماء إلى جماعات إرهابية وفي سنة 2015 أعلنت عن 11877 شخص بنفس التهمة ويعتقد أن الحملة استهدفت أعضاء ومتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين وفي نهاية نفس السنة –أي 2015- أعلنت السلطات  عن إغلاق أزيد من 480 جمعية أهلية بزعم صلتها مع جماعة الإخوان المسلمين.

 كل هذه الأوضاع المزرية التي تعيشها مصر لم تجعل من المنتظم الدولي أن يتحرك ويطالب من النظام وقف انتهاكاته بل إنه يغض الطرف ويجعل من نظام العسكر يستمر في ارتكاب مجازره بلا رقيب ولا حسيب. إنه حقا زمن الشيطان يعود من جديد فهل سيزيح صمود الشعب المصري وتضامن شعوب العالم معه عرش الشيطان أم أنه سيتمر لفترة أطول؟

 



>

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التعليقات الواردة من القراء تعبرعن ارائهم فقط، دون تحمل اي مسؤولية من قبل موقع الرأي المغربية