تعطيل الحكومة: تعطيل للدستور، وضرب للمشروعية

عبد الله لعماري 2017/02/11 14:17
تعطيل الحكومة: تعطيل للدستور، وضرب للمشروعية
تجاوز المغرب مائة يوم في انتظار تشكيل الحكومة، بعد التعيين الملكي لرئيسها، المكلف بتشكيلها، على أساس نتائج اقتراع السابع من أكتوبر الماضي، وهي انتظارية قاتلة بكل المقاييس، لأن البلاد بلا حكومة شرعية، شرعية المرجعية الانتخابية، هي بمثابة جسد بلا قلب. فالحكومة بالنسبة للبلاد هي القلب الذي يضخ دماء الحياة والنبض والحركة والوجود لكل المؤسسات المرتبطة بسير الدولة ودينامية المجتمع، والحديث عن حكومة تصريف الأعمال، والركون إليها هو ركون إلى قلب اصطناعي، لا ضمان لصلاحيته الدائمة، ولا لسلامته ونجاعته، والاستكانة إلى هذا الوضع غير الطبيعي، استكانة إلى وضع غير شرعي، يستند إلى البدعة الدستورية غير المحمودة وغير الحسنة. لم يعد هناك شك، بعد هذا التمادي في إبقاء المغرب بلا حكومة، أننا أمام ردة دستورية تتقصدها إرادة ظاهرة وخفية تستهدف عن عمد، تعطيل الحكومة، ومن ثم تجميد كل المكتسبات التاريخية التي أحرزها الشعب المغربي، وحازتها الأمة المغربية، بعد المحطات الرائعة والراقية التي تجلت فيها شجاعة المغاربة، وعبقرية المغاربة، وحكمة المغاربة، في الأيام الخالدة التي تؤرخ لـ: النهضة الباسلة المقدامة للشعب المغربي بتاريخ 20 فبراير 2011، والوعد الشجاع للملك بتاريخ 9 مارس 2011، والتعاقد التاريخي الجديد والحكيم بين العرش والشعب بتاريخ 31 يوليوز 2011. لقد صاغت الأمة المغربية شعبا وملكا، بجلدها وصمودها وصبرها وأناتها وتحديها وعزماتها، عقدا دستوريا شاملا وتقدميا وطموحا، يحفظ التاريخ، ويطمئن الحاضر، ويحصن المستقبل، ويحمي تماسك البلاد بصيانة التنوع فيها والتعدد والاختلاف بين مكوناتها ومقوماتها، ويضمن الاستقرار بترسيخ التوازن بين قواها، وتثبيت الفصل والاستقلال بين سلطاتها ومراكز نفوذها. إن أخطر ما ينتج عن عطالة الحكومة، هو عطالة الدستور، الدينامو الأساسي والمحرك الحيوي لوجود المغرب دولة ومجتمعا، ونظاما وأمة، إذ أن حركية الدستور ونبضه واستواءه قائما على الأرض، يأمر وينهى ويسود ويقود وكل ذلك، بناء على أسس صلبة، وفي ظل دعامات متينة، قوامها، ضمان السيادة للأمة والسمو للدستور، وتمكين الخيار الديموقراطي من مكانة الثوابت التي تعلو على المراجعة، وتسمو فوق الانتقاض أو الانتقاص، والذي يكرس الانبثاق الحر والديموقراطي للحكومة بصفتها راعية ومتحكمة في السلطة التنفيذية، بناء على نتائج الاقتراع العام المباشر، النزيه والشفاف والتشاركي بين الأحزاب السياسية التي تتنافس بكل مشروعية على الدور الأول الذي يخول رئاسة الحكومة للحزب المتصدر، بعد التكليف الملكي، ويخول لرئيس الحكومة صلاحيات واسعة وواضحة وسيادية، من موقع التمكين الشعبي الانتخابي، ومن موقع التفويض والتكليف الملكي. وقوامها أيضا: ضمان الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وصون كرامة المواطن في إطار المساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات والتكافؤ في الاستفادة من الفرص والمكتسبات والخيرات العمومية. وقوامها أيضا: تمكين البرلمان من الدور السامي في التشريع وفي مراقبة العمل الحكومي، وإيلاء المعارضة الموقع الدستوري المميز والمعزز بالآليات والأنظمة الدستورية التي تضفي على مشاركتها في العمل التشريعي، والنقد السياسي، والتقويم الاستراتيجي، الطابع الفعال والناجع والتوجيهي. واليوم، ومع هذه الغيبة الحكومية، بله التغييب الحكومي الممنهج، تصبح الأيام الخالدة في خبر كان، وتتجمد كل المؤسسات القيمية والمبدئية الدستورية، فلا حكامة جيدة، ولا محاسبة رهينة بالمسؤولية، ولا انبثاق ديموقراطي للسلطة التنفيذية، ولا مكانة مميزة للمعارضة، ولا فصل بين السلط، ولا رقابة برلمانية، ولا أعمال نيابية، ولا ارتفاع لحالة الغموض في تحديد المسؤوليات، ولا انقشاع للضبابية الضاربة التي تغطي حالة التسيب الإداري والاقتصادي، وتتستر بها الأيادي الآثمة في العبث بمقدرات الأمة ومذخراتها وأموالها العامة. إن أخطر ما ينتج عن عطالة الحكومة، هو عطالة الدستور، الدينامو الأساسي والمحرك الحيوي لوجود المغرب دولة ومجتمعا، ونظاما وأمة، إذ أن حركية الدستور ونبضه واستواءه قائما على الأرض، يأمر وينهى ويسود ويقود، هو التجلي الواقعي والحقيقي للمشروعية، تلك المشروعية التي تضربها الآن، غيبة الحكومة، في أفتك مقاتلها. والوجه الأبشع لهذا الواقع القاتل هو أن ترى قادة الأحزاب السياسية، يتلصقون بالرغبة في الاستوزار، تلصقهم بالحياة هربا من الموت، ويهرولون نحو مواقع الحكومة، هرولة المفزوع نحو منفذ النجاة، ضدا على المنطق الديموقراطي، وضدا على الحقيقة الدستورية، وإسقاطا للحياء السياسي، في آخر مزعة وجه، وبكل الصفاقة التي اشمأز لها الشعب، وكأن العمل السياسي والمضمار الانتخابي أضحى هو المنصب الحكومي، وكأن شرف المعارضة التي كانت في الزمن الجميل زينة الرجال وخيار الأباة، هذا الشرف أصبح اليوم بمثابة اللوثة والمعرة والمجذمة التي يفر منها السياسيون فرارهم من الطاعون، فهل ستستفيق طبقتنا السياسية أمام هول الانهيار الداهم ؟.

تعليقات الزوار ()

اوقات القطار

الإنطلاق من
الوصول الى

أوقات الصلاة و حالة الطقس

اختر مدينتك
حالة الطقس
الحرارة العليا °C
الرطوبة %
سرعة الرياح mps
الصلاة التوقيت
الفجر 00
الظهر 00
العصر 00
المغرب 00
العشاء 00