هل هي حكومة سياسية في المغرب؟

بقلم د. عبد العلي حامي الدين
في الجمعة 07 أبريل 2017

الحكومة التي تم الإعلان عنها مساء الأربعاء المنصرم ليست هي الحكومة التي كان ينتظرها المغاربة الذين ذهبوا للتصويت يوم 7 أكتوبر، ولذلك ليس من الغريب أن يكون الرأي العام مصدوما وهو يتأمل في مخرجات العملية الانتخابية مترجمة في القطاعات الحكومية وكيف جرى توزيعها بين الأحزاب السياسية. لقد بسط حزب التجمع الوطني للأحرار يده – وهو الحاصل على 37 مقعدا من مجموع المقاعد النيابية وعددها 395- على أبرز القطاعات الحكومية مثل وزارات الفلاحة والمالية والتجارة الخارجية والشباب والرياضة والعدل بالإضافة إلى كتابة دولة في الخارجية وكتابة دولة في الصيد البحري، في المقابل لم يتمكن حزب العدالة والتنمية في الحفاظ على قطاعاته الحكومية السابقة وهو الذي حصل على 125 مقعدا، واكتفى ببعض الوزارات الذات الطبيعة الخدماتية، وجلها هامشي، مثل حقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان وَالأسرة والتضامن والشؤون العامة للحكومة والتنمية المستدامة والشغل، في بلاد تعاني من البطالة والاقتصاد الاجتماعي الهش.. أما باقي القطاعات الهامة فقد استرجعت طابعها «السيادي» وخرجت من المنطق السياسي كالداخلية والخارجية والأوقاف والشؤون الإسلامية والدفاع والأمانة العامة للحكومة…ض ليست المشكلة مرتبطة بعدد المقاعد الحكومية، ولكنها مرتبطة بغياب الانسجام القبلي الذي يجعل توزيع الحقائب مندرج في إطار رؤية منسجمة ومتفق عليها ومحكومة بمنطق التعاون، وهو ما لم يتم للأسف الشديد. كيف حصل ذلك ؟ ولماذا؟ بدون شك سيكون حزب العدالة والتنمية مطالب بتقييم أدائه خلال هذه المرحلة والوقوف عند الأخطاء الذاتية والمعطيات الموضوعية التي جعلت الجميع يعتبر بأن هذه الحكومة تعبير عن تراجع في المسار الديمقراطي، ولا علاقة لها بنتائج السابع من أكتوبر 2016.. هل هناك قوة قاهرة في الحياة السياسية؟ هل بالفعل يمكن لليد الخفية la main invisible أن تتدخل مكان التحليل الملموس للواقع الملموس؟ هل السياسة في المغرب تخضع لقواعد معيارية سامية ومجردة نسميها في الأدبيات المتداولة بـ»الثوابت الدستورية» ومنها الاختيار الديمقراطي؟ أم أن ديمقراطيتنا الفتية تأبى إلا أن تكون مهندسة من طرف قوى خفية؟ طرحت سؤالا بريئا في إحدى اللقاءات «المهمة»: لماذا التشبت بإشراك أحزاب بعينها ضدا على إرادة الناخبين الذين عاقبوهم في الانتخابات؟ أجابني أحد الإخوة المجربين: «هذا سؤال فلسفي.»… بالفعل، إنه سؤال فلسفي معقد. لا يمكن فهمه بأدوات التحليل البسيطة، لأن السياسة في بلادنا لا تدبر فقط من طرف الفاعلين الذين نراهم بالعين المجردة.. هناك آخرون يسكنون في عالم آخر غير عالمنا المرئي، يخططون ويوجهون ويرشدون ويقررون ويفرضون ويعفون ويعاقبون ! لأنهم هم من يمتلكون القوة لفرض ما يريدون.. وتحرسهم قوى مدربة تهاجم كل صوت يحاول أن يغرد خارج السرب… الأحزاب الوطنية والديمقراطية تتعرض هذه الأيام للضرب بواسطة أدوات القوة.. القوة نوعان: ناعمة وخشنة. القوة الناعمة لها نفس طويل تستطيع الاشتغال المستمر على مؤسسة صناعة القرار داخل الحزب، هو اشتغال على النفسيات والعقليات، هو اشتغال على الغرائز العميقة التي جبل عليها الإنسان، هو اشتغال مستمر بواسطة أدوات الترغيب والترهيب من أجل تنشيط stimulation غريزة الخوف وغريزة الطمع، ومن تم توطين ثقافة القابلية لقول «نعم» في جميع الأحوال والمناسبات، تحت عنوان «الحكمة» و»بعد النظر».. أما القوة الخشنة فتعتمد على إطلاق الكتائب الانكشارية لتنهش لحوم من آمن بالبناء الديمقراطي ودافع على احترام الدستور، هو اشتغال على ضرب السمعة بواسطة أدوات القذف والتشهير، وفبركة الملفات والزج بالمناضلين في المتاهات، وإشغالهم برفع دعاوى القذف والسب والتشهير أمام قضاء لا زال ينتظر مفعول بركات الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة..القوة الخشنة قد تصل إلى درجة الاستهداف المباشر للمؤسسة الحزبية بواسطة أدوات البلطجة، عبر تخريب الممتلكات الحزبية وطرد القيادة الشرعية من مقراتها المركزية.. ما يجري اليوم، من ضرب للمؤسسة الحزبية يحطم ما تبقى من حواجز وقائية، ويجعل الدولة في مواجهة مباشرة مع المجتمع بدون وساطة عقلانية، وبدون مؤسسات تمثيلية ذات مصداقية. قوة الدولة من قوة مؤسساتها، وقوة المؤسسات تستمدها من مصداقيتها، وما يجري أمام أعيننا هذه الأيام ليس بالشيء الطبيعي، وهو يحمل في طياته مخاطر لا تخفى على أحد.. اسمحوا لي أن أقول بأن حكومتنا- التي نتمنى لها كامل التوفيق والنجاح- ليست نتيجة لتحالفات سياسية بين أحزاب سياسية حرة، وليست تتويجا لتوافقات سياسية عميقة، ولا حتى نتيجة « مساومات إرادية» بين الفرقاء السياسيين، ولكنها تعبير عن إرادة الأقوياء المفروضة على أحزاب مسلوبة الإرادة. ومن السذاجة أن نحاول إقناع الناس بأن هذه حكومة سياسية معبرة عن اقتراع 77 أكتوبر! القدس العربي

تعليقات الزوار ()

آخر الأخبار

اوقات القطار

الإنطلاق من
الوصول الى

أوقات الصلاة و حالة الطقس

اختر مدينتك
حالة الطقس
الحرارة العليا °C
الرطوبة %
سرعة الرياح mps
الصلاة التوقيت
الفجر 00
الظهر 00
العصر 00
المغرب 00
العشاء 00