إضاءة نقدية لنقاشات "البيجيديين"

حسن بويخف 2017/04/10 16:51
إضاءة نقدية لنقاشات "البيجيديين"

جميل ما يجري اليوم من نقاش بين أعضاء حزب العدالة والتنمية. وأجمل منه أنه نقاش حول الذات مفتوح على الرأي العام تشارك فيه قيادات من الحزب وشبابه من الأعضاء والمتعاطفين وإعلاميون وخبراء ومتابعون وغيرهم. مما يجعله نقاشا مغريا لكل صاحب رأي، وكل ناقد وكل ملاحظ.

ويمكن القول إن ذلك النقاش مر من مرحلتين كبيرتين تعكسان تفاعلات هؤلاء المتناقشين مع تطورات المشهد السياسي. مرحلة يمكن تسميتها بـ"مرحلة البلوكاج" اتسم فيها النقاش بتوجهه بشكل كبير نحو الآخر الذي يتم اختزاله في مسمى "التحكم". وتهدف بالأساس إلى تقديم الدعم لمنهجية الأستاذ عبد الإله ابن كيران في تدبير مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية، وتتخلله بين الفينة والأخرى محاولات نقد للذات قليلة. وأهم ما يميز النقاش في هذه المرحلة هو أن سقفه السياسي وتموجاته التكتيكية يرسمها الأستاذ ابن كيران، الذي يعتبر محور الجذب في صياغة الخطاب، ونحت المفاهيم، وضخ الحيوية والحماس. ومرحلة ثانية يمكن تسميتها بـ"مرحلة اكتشاف الذات"، أكبر ميزاتها أنها تنتقد تجربة الحزب الحكومية في صيغتها الثالثة بقيادة الدكتور سعد الدين العثماني، بعد تجربة أولى وثانية بقيادة الأستاذ عبد الاله ابن كيران. وفي هذه المرحلة نجد فراغا تأطيريا تركه "انسحاب" الأستاذ ابن كيران من ساحة التواصل السياسي لفسح المجال لرفيقه في الدرب لتشكيل حكومته، وحفظ قدراته التواصلية الهائلة في تأطير النقاش، وهذا الفراغ له حسنة وهي أنه فسح المجال لقيادات وأعضاء ومتعاطفين ليتوجهوا بالنقد لذات حزبهم بشكل واسع وقوي دون أن يجدوا في مواجهتهم خطابا سياسيا قويا مقنعا وقامعا أيضا. وأدى غياب فضاءات النقاش الداخلي إلى تفجره في وسائل الإعلام وخاصة على شبكات التواصل الاجتماعي.

أما الذين يخوضون هذا النقاش من قيادات وأعضاء حزب المصباح ومن خارج دائرته فمنهم من عرف بمواقفه الناقدة الواضحة والصريحة، ويعتبر انخراطهم في النقد والتقويم لتجربة حزب المصباح أمرا طبيعيا انسجموا فيه مع أنفسهم، ولم يشكلوا مفاجأة ولا استثناء. وهؤلاء تعتبر مشاركتهم صحية مع ملاحظات حول المنهج ونبرة الخطاب الذي يوفر للبعض ارضية الانتعاش والتوظيف. ومن المنخرطين في النقد اللاذع أيضا غيورون لم يستطيعوا تحمل توالي التنازلات التي قدمها الحزب في ظرفية عاطفية حساسة أكبر المثيرات فيها إعفاء الأستاذ ابن كيران من تشكيل الحكومة، وحديث الصحافة من جهة عن فشله ونهايته، ومن جهة أخرى عن تضحية الحزب برأسه. أما الفريق الثالث من الخائضين في الرفض الكبير لتنازلات الحزب، فهم العناصر الأكثر إثارة للاستغراب، ويحيط اللبس بمواقفهم، إذ منهم من يمكن تصنيفه دون تردد ضمن خانة الجبناء الذين عرفوا بسلوكات السب خلف الظهر، و"اللقز" من تحت الجلباب، والشجاعة بين الجدران وفي الدوائر الضيقة. ومنهم قادة التبرير للتنازلات مند الحكومة الأولى للأستاذ ابن كيران، واكتشفوا اليوم أن هناك تنازلات "خطيرة"، وأن واجب الوقت يفرض رفضها بقوة استثنائية مهما كان الثمن. وصنف الجبناء وقادة التبرير، رغم قساوة هذا التصنيف، هو في التقدير أخطر ما قد يعصف بمستقبل الحزب، ليس ككيان انتخابي اختار المشاركة ولكن ككيان تنظيمي أيضا.

ومساهمة في هذا النقاش التاريخي من موقع الملاحظ الذي خبر خطاب الحزب وآليات عمله ومنهجه ومرجعياته ومختلف "التوجهات" التي تختمر داخله ، نقترح هذه الورقة، التي سعينا إلى تجريدها من الأسماء وأحكام القيمة ما أمكن ذلك حتى نجنبها طابع الشخصنة والتزييف، وحتى نحصر النقد والتقويم في ذلك النقاش بصفته ظاهرة جديدة على حزب المصباح، رغم أنها تمثل تابتا في التحولات الحاسمة التي عرفتها الأحزاب السياسية المغربية.

ورغم أن موقفي من التنازلات التي يقدمها حزب المصباح أعبر عن انتقاداتي لها في حينها باستمرار، ورغم رفضي للتنازلات الجديدة استمرارا على نفس النهج النقدي، غير أنني اليوم، ووعيا بطبيعة المرحلة وما يتهدد حزب المصباح الذي اعتبره الممثل الوحيد  لاختياراتي السياسية اليوم، سوف انتقد الخطاب الجديد الرافض لتلك التنازلات من داخل الحزب وفي هذه الظرفية بالذات، لأنه توجه في عمومه لا ينبني على أسس مثينة مقنعة، بالنظر إلى طبيعة حزب المصباح وكيف يمارس السياسة مند ولادته الأولى، ولما يحيط بذلك النقاش من لبس كبير فرضته طبيعة بعض الفاعلين فيه من داخل الحزب ومن خارجه، ولاعتبار السياق السياسي العام الذي يأتي فيه. وبالتالي فهذا النقد لا يعبر عن موقف شخصي مستبطن يقبل التنازلات التي رفضتها على الدوام بمنطق مبدئي أصيل، ولكنه نقد يسائل المرحلة وذلك التوجه الجديد في الحزب، خاصة وأننا أمام عملية تزييف للوعي كبيرة.

ويمكن تلخيص العناصر الأساسية في النقاش الدائر حول حزب المصباح اليوم، والتي سوف ننتقد النقاش الدائر حولها، في قضايا رئيسية هي:  

  • استكبار التنازلات التي قدمها الحزب لتشكيل حكومة العثماني ورفضها.
  • الحديث عن حصول انحراف عن قرارات الأمانة العامة وشروط المجلس الوطني.
  • تحميل التنازلات للدكتور العثماني
  • الدعوة إلى انعقاد دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب للحسم في مسار تلك التنازلات.

أولا، استكبار التنازلات التي قدمها الحزب لتشكيل حكومة العثماني ورفضها.

قبل الخوض في النقاش حول هذه القضية ينبغي تسجيل أمر منهجي هام، وهو أن الملاحظ حول كثير ممن يخوضون نقاشات حول التنازلات، لم يقوموا بنقد ذاتي يؤطر تحولات موقفهم منها رغم أنها تابت في مسار الحزب مند تأسيسه، وكان من بينهم مهندسون لها ومنظرون في تبريرها، وخطباء في الدفاع عنها. وهذا غير مقبول في أعراف سلامة ومصداقية النقاش والحوار. لأنه  يحيط نقاشات هؤلاء بالالتباس مما من شأنه أن يثير حولها الشكوك ما دامت لا تعبر عن مواقف أصيلة لأصحابها. ومعلوم أن النقد الذاتي هو الباب الطبيعي لولوج ساحات جديدة من النضال السياسي والتدافع الفكري، وليس القفز على التطورات برياضة ركوب الأمواج.

وبخصوص التنازلات، فإن أكبر ما يثير الاستغراب في الحديث عنها هو استكبارها فجأة والتعامل معها كما لو أنها شيئا طارئا في منهج الحزب وتجربته، وتصويغ اتخاذها منصة إطلاق الاتهامات المجانية والتقييمات العاطفية والتحليلات التي تقفز على الحقائق التاريخية، والخطابات التي تذهب حد التعبئة إلى الانتفاضة الداخلية. ولو أعدنا عقارب ساعة التنازلات في تجربة حزب العدالة والتنمية الحكومية إلى الوراء، واستعرضنا محطاتها الكبرى، واسترجعنا خطابات مختلف الفاعلين اليوم في النقاش حول التنازلات، لاكتشفنا أمورا غريبة. أولها، أن المنطق الذي كان مبنيا على "احترام قرارات المؤسسات"، وعلى "طبيعة المرحلة"، وعلى "استهداف حزب المصباح"، وعلى "وجود مؤامرة ضد الحزب"، وعلى أن "السياسة فن الممكن"، وعلى "التأويل الديمقراطي للدستور"، وعلى "دعم التجربة والحفاظ على المكتسبات"، وعلى "الحفاظ على الأغلبية الحكومية"، وعلى أن "المغرب في حاجة إلى حزب العدالة والتنمية، لذلك ينبغي أن يستمر في الحكومة"...، قد تلاشى فجأة وأصبح ينعث حتى من رواده السابقين بخطابات الانبطاح والانهزام! ثانيها، أن التوقف عند التنازلات التي قدمها العثماني باسم الحزب واعتبارها خطيرة واستثنائية وانبطاحية لا يجد تفسيرا له، بالنظر إلى نوع وحجم التنازلات التي دأب الحزب على تقديمها، إلا في افتراض وجود نوع من "الجبن" في مواجهة الأمر الواقع الذي فرضه القرار الملكي بإعفاء الأستاذ ابن كيران وتعيين الدكتور العثماني مكانه. والمراهنة على قول "لا" لذلك القرار بطريقة التفافية غير مباشرة، و من خلال سياق يرفض نتائجه. وهذه القراءة هي ما سوف نستعرض عناصرها الأساسية في هذا المحور بالخصوص وفي باقي المحاور.   

لنبدأ مسار تنازلات المصباح في سياق المشاركة في الحكومة من سنة 2012، ففي شتنبر من تلك السنة نشرت مقالا تحت عنوان "السياسة الكحلة" (http://www.hespress.com/writers/62286.html) رصدت فيه أولى مؤشرات الانحراف عن مسار دستور 2011، والتي نبه إليها أكثر من ملاحظ، وكان بعض الذين يعضون اليوم أصابعهم حسرة على التراجعات قد وصفه بالمبالغة، و"التخربيق"، وأدعوهم اليوم إلى القيام بنقد ذاتي واسترجاع شريط التراجعات في الكثير من المجالات، وكيف كانوا فقهاء تبريرها بل والتعتيم عليها أيضا.

المقال المشار إليه رصد مؤشرات التراجع سنة 2012 في عدة مستويات كان من أبرزها:

  • الالتفاف على مضمون الدستور على المستوى التشريعي.
  • تراجع خطاب "إجراءات الثقة" الذي كان مهيمنا قبل التعديل الدستوري وقبل التعيين الحكومي، على خطابات قيادات حزب المصباح.
  • عودة الحديث عن الاختطافات و استمرار انتهاك الحقوق في مخافر الشرطة وفي قمع الاحتجاجات السلمية بالتعنيف والمحاكمات على أساس ملفات يتم فيها تضخيم الجانب الأمني على حساب الجانب الحقوقي وخاصة المتعلق بالحق في التعبير والاحتجاج.
  • تحول وزارة الداخلية تدريجيا إلى لعب دور "أم الوزارات" كما كانت من قبل.
  • عودة حزب الدولة، الذي تم تبييضه في الانتخابات التشريعية لسنة 2011، إلى الواجهة، وأصبح له حضور متنامي غير مبرر في جل وسائل الإعلام.

كانت تلك عناوين التراجعات التي رصدها كثيرون في ذلك الوقت، ووضعت نقط بداية انفراج زاوية التراجعات التي استمر مسلسلها بعد ذلك، وأخذت زاويتها في الاتساع. لكنها ووجهت بالصمت المطبق من رواد رفض التراجعات اليوم، بل منهم من كان يبررها بقوة وبأستاذية متعالية متطرفة.

في سنة 2013 سجلت التنازلات التي قدمها حزب المصباح قفزة نوعية في الانقلاب الأبيض على نتائج انتخابات 2011، حين انسحب حزب الاستقلال بشكل غير مفهوم، وهو الذي يعتبر كثير من رافضي التنازلات استبعاده اليوم من المشاركة الحكومية مؤشرا على الخضوع، ليفتح باب الحكومة مشرعا ويدخله الفساد بـ"العلالي"، وباب تنازلات الحزب بشكل درامي، كيف؟

  • تحالف المصباح مع حزب الأحرار الذي كان رمز الفساد، وكان أمينه العام الذي تولى وزارة الخارجية مكان الدكتور العثماني هو "مول البريمات" المشهور، وهو الحزب الذي وجد فيه ذ ابن كيران حينها الحل لتشكيل حكومته وتجنب "البلوكاج". وفي الوقت الذي تشكل فيه توجه في الرأي العام وفي الإعلام يستنكر إدخال حزب الأحرار في حكومة ابن كيران الثانية، كان بعض ممن ينتفضون اليوم ضد التنازلات يقدمون دروسا في السياسة للمخالفين معهم في ذلك الوقت، وكان أكثر ما دافعوا به عن التنازلات هو "السياسة فن الممكن" و"المغرب في حاجة إلى العدالة والتنمية في الحكومة، لذلك وجب الاستمرار مهما كان الثمن خدمة للوطن".
  • دخل 9 وزراء في حكومة 2013 بدون لون حزبي، ولم يتفاوض الأستاذ ابن كيران حولهم مع أي حزب، بل دخلوا رغم أنفه وإرادته، ومنهم من لم يعلم باسمه إلا في صبيحة يوم تعيينهم من طرف الملك. وكتبنا حينها أن حكومة 2013 تسجل نهاية حكومات صناديق الاقتراع والعودة إلى منطق ما قبل دستور 2011. لذلك فالنكوص الكبير سجل في تلك الفترة، وقياس زاوية الانحراف التي يستنكر البعض تجلياتها اليوم حدد من هناك. لكن ماذا كان الأستاذ ابن كيران في ذلك الوقت؟ هل كان بطلا أم كان منبطحا؟ هل تمت بهذلته أم تم تكريمه؟ والحزب هل باع "الماتش" حينها أم اشتراه أم قام بما تقتضيه المرحلة من تقديرات؟ والمبررات التي اعتمدها الأستاذ ابن كيران، ومنها الحفاظ على التجربة وحماية الحزب، أليست هي نفسها المبررات التي يمكن أن تقال اليوم في قبول ما هو أقل سوءا مما وقع في ذلك الوقت على سلم التنازلات؟ ولكن ماذا كانت آراء بعض من اكتشفوا اليوم أن هناك تنازلات؟ ألم يكونوا في واجهة المبررين والمدافعين والمحللين (مقابل المحرمين)؟ بل ألم يكبر وزن بعضهم داخل الحزب وفي دائرته المحيطة فقط لقدرتهم على إعادة تدوير خطاب "الزعيم"؟
  • لماذا أبعد الدكتور العثماني، الذي يقود الحكومة اليوم، من وزارة الخارجية في ذلك الوقت؟ ولماذا قبل ذ ابن كيران بذلك؟ وما هو المنطق الذي حكمه؟ أليس نفس المنطق الذي يعانقه أعضاء البيجيدي من القمة إلى القاعدة هو نفسه المنطق الذي تعتمده الأمانة العامة للحزب اليوم ويعتمده العثماني، بل ويشدد عليه الأستاذ ابن كيرا في كلمته الشهيرة أمام لجنة الاستوزار داخل الحزب مؤخرا؟ ألا يعني كل ذلك أن حزب المصباح ضحى بأحد أكبر قادته المؤسسين، وأمين حزبهم السابق و ...؟ ومن المفارقات أن رفض العثماني الاستوزار بعد إبعاده، وصف حينها وبحق، بالمناضل والمتواضع وغير الطامع في المناصب...لكنه أصبح اليوم عند بعض "الرافضون الجدد" طالب مناصب! 
  • طيلة زمن الحكومة الثانية للأستاذ ابن كيران، الذي تحالف فيها مع أحزاب الفساد في خطاب "الرافضون الجدد"، كيف سارت الأمور؟ هل كانت الأمور تسير على الصراط المستقيم إلى أن جاء الاستثناء بأن شكل العثماني مسنودا بالأمانة العامة للحزب أغلبيته من الأحزاب الإدارية وحزب الوردة الإداري أيضا؟ بل أين اختفى منطق حماية المشروع من المؤامرات فجأة؟ ما قول أصحاب نظرية المؤامرة ضد الحزب وهم يخوضون اليوم "معركة مقدسة" لرفض التنازلات ولو خدم ذلك تلك المؤامرات؟ بل هل انتهت المؤامرات ضد الحزب مباشرة بعد تولي العثماني رئاسة الحكومة؟
  • لما أعفي وزيري البيجدي على خلفية ضجة إعلامية تتعلق بعلاقات انتهت بالزواج بينهما، هل كانت المبادرة من رئيس الحكومة حينها؟ لماذا قبل ذلك الإعفاء؟ وهل كان مبررا؟ وهل كان مقنعا حتى داخل الأمانة العامة؟ فماذا كانت مبررات الانحناء له؟ أليست من طينة المبررات التي على أساسها تتصرف الأمانة العامة اليوم ويتصرف على أساسها العثماني في عمله؟ ما الذي تغير بين الأمس واليوم؟ هل كان قبول التضحية بوزيرين لاعتبارات صنعتها الصحافة بطولة أم انبطاحا أم تقديرات سياسية؟ وبالنسبة لملف القيادي في البجدي، عبد العزيز أفتاتي، ما هو القانون الذي خالفه أو الجريمة التي اقترفها حتى يتخلى عنه الحزب؟ فكيف يمكن الصمت على التخلي عن اربعة قيايين في الحزب ضمنهم أمينه العام السابق، بتدبير تفاوضي قاده الأستاذ ابن كيران، وينتفض البعض بطرق بعضها ملتبس، بسبب إعفاء الأستاذ ابن كيران من طرف رئيس الدولة؟ ما الأحق بالانتفاضة الاعفاءات السابقة التي تمت في سياقات ملتبسة أغلبها مجرد صناعة إعلامية؟ أم الاعفاء الأخير الذي تم في سياق البلوكاج وبإجراء أكد الحزب دستوريته بشكل واضح وصريح؟
  • طيلة الولاية التشريعية الماضية ماذا كان يجري في كواليس المؤسسة التشريعية بمناسبة إعداد مشاريع القوانين؟ ألم تقدم تنازلات كبيرة حماية لتماسك الأغلبية الحكومية؟ ألم  يكن منطق كثير من رواد "خطاب الرفض الجديد" يدور حول أولوية حماية تماسك الأغلبية الحكومية؟ كم من التنازلات قدمت لتحقيق ذلك الغرض؟ وللتاريخ هل ينبغي مثلا أن ننسى موقف حزب العدالة والتنمية حول المصادقة البرلمانية وبالإجماع على البروتوكول الاختياري لاتفاقية "سيداو" التي ناهضها على الدوام؟ ولم تمض غير شهور قليلة حتى سجل ذ ابن كيران مواقف تنقض موقف الحزب حول تلك الاتفاقية في لقاء حزبي داخلي سجل فيه مواقف جديدة ترجع إلى الخطاب الأصلي لحزب العدالة والتنمية في الموضوع، وهي مسألة سوف نعالجها في إطار آخر غير هذا المقال. لكن ماذا كان موقف الحزب حينها ألم يكن قد قدم تنازلا كبيرا وبشكل فج بحرصه على أن يعتمد البروتكول المذكور بالإجماع، مع إمكانه اتخاذ موقف الامتناع عن التصويت الذي لن يمنع تمرير تلك المصادقة؟ لقد تناقشت مع عدد من أعضاء الأمانة العامة حول تلك النازلة، ومع قياديين من خارجها، وأكدوا جميعا أن موقف الحزب كانت تحكمه تقديرات سياسية، وليست قناعات إديلوجية جديدة !
  • في مسألة صندوق تنمية العالم القروي المشهورة، ألم يتنازل فيها الأستاذ ابن كيران عن صلاحياته القانونية والدستورية؟ ألم يعلن أمام الرأي العام أنه تنازل عن تلك الصلاحيات للرجل الذي قاد البلوكاج في وجهه ولم ينتقد بعض "المعارضون الجدد" سعيه للتحالف معه؟ ماذا كان الأستاذ ابن كيران حين تنازل عن شيء لا يحق التنازل عنه قانونا، لأنه ليس ملكية شخصية له؟ أليس ذلك تنازلا خطيرا؟ في أية  ديموقراطية يمكن لمسؤول حكومي التنازل بتصريح صحافي عن صلاحياته لشخص آخر؟ لكن أليس بمنطق حماية الأغلبية الحكومية تم بلع ذلك؟ أليس ذلك المنطق هو من صلب المنطق العام الغارق في البراغماتية التي يعد صلب منطق البيجيدي في السياسة؟ لماذا يحاول "الرافضون الجدد" اليوم التمايز عن منطق البيجيدي؟ لماذا لا يدافعوا عنه في الإعلام ولدى الرأي العام؟ ما الذي تغير؟
  • وغير بعيد عن الديناميكية الحالية التي أفرزت تعيين العثماني لرئاسة الحكومة، ماذا كان موقف الحزب في مسألة انتخاب رئيس مجلس النواب قبل تشكيل الأغلبية الحكومية؟ ألم يقدم تنازلا خطيرا بمنطق الدستور التي روج له قبل ذلك؟ هل كان ذلك التنازل وحيا من السماء؟ ألم يكن عملية ذبح فجة للديموقراطية بالمنطق الحزبي الرائج قبل الخضوع للأمر الواقع؟ لكن ما هو المنطق البراغماتي الذي حكم الحزب ومسؤوليه وبعض ممن يرفضون التنازلات اليوم؟ كيف كان ذ ابن كيران؟ هل كان بطلا؟ هل كان منبطحا؟ أم كان مدبرا لمرحلة تحكمها معطياتها؟ لقد سجلنا حينها أن أم مصلحة الوطن الأولى هي في احترام الدستور، وأن الانضمام إلى الاتحاد الافريقي إذا تم التغافل عن وضع إجراءات القيام به طيلة 5 سنوات من عمر حكومة ابن كيران القائمة، فيمكن تأجيل ذلك إلى ما بعد تشكيل الحكومة الجديدة، فالاتحاد الافريقي ينظم قممه بشكل دوري مستمر. فلماذا رضخ الحزب لمسألة اعتبرها انقلابا على المنهجية الديموقراطية؟ ولماذا اكتفى بالامتناع عن التصويت وليس تقديم مرشح منافس لرئاسة الغرفة الأولى؟ فكيف يجب على العثماني رفض حزب الوردة الذي يترأس الغرفة الأولى واعتبار ذلك تنازلا خطيرا؟ وما الأخطر في التنازلات، ضم الوردة إلى الحكومة بعد أن أصبحت أمرا واقعا، أم قبول فرضها بالأمر الواقع؟

وبالنظر إلى مسار التنازلات التي سجلنا أهم مؤشراته، بأي منطق ترفض التنازلات بشكل جذري اليوم؟ ما هو التنازل الخطير الذي قدمه الحزب اليوم؟ تنحية الأستاذ ابن كيران بقرار ملكي، وهو القرار الذي وصفه ابن كيران نفسه بأنه دستوري ويدخل ضمن صلاحيات الملك، وقبله المجلس الوطني للحزب بعد أمانته العامة؟ هل هو قبول حزب الوردة في حكومة العثماني بعد الاستسلام لفرضه في خريطة "الأغلبية الكامنة" بقيادة الأستاذ ابن كيران؟ هل هو في التشكيلة الحكومية التي اعتمدها العثماني، مع العلم أن التوجه نحو رفض التنازلات تقوى قبل ذلك؟ ما الأسوأ حكومة 2017 أم حكومة 2013؟

نعم قد يكون البعض في مرحلة الاشباع تجاه مزيد من التنازلات، وتكون تنازلات تشكيل حكومة العثماني النقطة التي أفاضت الكأس، لنكون أمام مقاربات عاطفية وليس أمام مقاربات سياسية براغماتية بمنطق الحزب المعروف بها. لكن هل ينبغي أن نعتمد المقاربة الملائكية في التعامل مع جزء من خطابات رفض التنازلات اليوم؟ هل ينبغي استبعاد سياق الاعداد للمؤتمر للبحث عن الدوافع الحقيقية للبعض في رفض التنازلات اليوم؟

إن من بين ما أجمع عليه المراقبون والخبراء أن حزب المصباح يمارس براغماتية كبيرة. ومعلوم أنه بقدر كبر تلك البراغماتية يكون حجم التنازلات، وأن من الطبيعي في الممارسة السياسية أن تكون هناك تنازلات، وأن التنازلات تحكمها موازين القوة وليس الرغبات والعواطف، وأن الذي لا يقبل ما تفرضه موازين القوة ذلك ما عليه سوى الانسحاب من اللعبة، وأن ذلك الانسحاب له ثمنه أيضا، وعلى المنسحب تقدير تحمله من عدمه. فهل هذا الاستنتاج الأخير هو الرهان السياسي للمجلس الوطني الذي يدعو كثيرون إلى عقد دورة استثنائية له؟ سنناقش هذه النقطة لاحقا.

لقد نحث خبراء وملاحظون مند الارهاصات الأولى لتنازلات حزب المصباح الكبيرة توصيفا سياسيا دقيقا يلخص إحدى مرجعيات حزب المصباح في تنازلاته، وأكدوا أن حزب المصباح ضحى بالدستور وبالديموقراطية من أجل نيل ثقة الملك، ومن المفارقات أن من هؤلاء الملاحظين من انخرط اليوم في الولولة والحديث عن البيع والشراء، لإضفاء طابع الخطورة والمبالغة في تنازلات الحزب على عهد العثماني، وكأن تنازلات الحزب شيء طارئ وليس اختيارا ممنهجا يقول الحزب إنه خدمة للوطن، ولخص ذلك في شعاره الشهير"الاصلاح في ظل الاستقرار". لكن هل انتهى الرهان على الثقة الملكية؟ وهل تخلى الحزب عن خدمة الوطن؟

إن روح اللعبة في تدبير التنازلات هو ما عبر عنه الأستاذ ابن كيران نفسه حين فرق بين التنازلات والانبطاح، لكن كيف نفرق بين التنازلات التي تعبر عن ديناميكية تفاوضية في إطار موازين قوة، وبين الانبطاح الذي ليس في النهاية سوى حكم قيمة يمكن إلصاقه بسهولة بأي تنازل؟ إن المرض الذي أصاب الحزب فيما يتعلق بتدبير التنازلات هو تضخم البراغماتية عنده، وعدم خضوعها لرؤية سياسية واضحة ومنسجمة، وخضوعها لمنهجية أقرب إلى الشخصانية منها إلى منهجية جماعية. وتدبير الأستاذ ابن كيران لمفاوضات تشكيل حكومة 2013 خير دليل على ذلك.

ثانيا، الحديث عن حصول انحراف عن قرارات الأمانة العامة وشروط المجلس الوطني.

من أخطر ما يروج في النقاش الدائر اليوم لرفض التنازلات الحديث عن حصول انحراف عن قرارات الأمانة العامة للحزب ومجلسه الوطني في ا

تعليقات الزوار ()

اوقات القطار

الإنطلاق من
الوصول الى

أوقات الصلاة و حالة الطقس

اختر مدينتك
حالة الطقس
الحرارة العليا °C
الرطوبة %
سرعة الرياح mps
الصلاة التوقيت
الفجر 00
الظهر 00
العصر 00
المغرب 00
العشاء 00