إيفني ليست هي الحسيمة و2008 ليست 2017

بقلم جواد غسال
في الجمعة 23 يونيو 2017

عندما اندلعت الاحتجاجات في مدينة الحسيمة لم تكن الدولة تعير اهتماما كبيرا، ككل البدايات، لأنها تعتمد على تقارير من الدرجة الدنيا، وهي تقارير الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المحلية والجهوية، لكنها فجأة تحولت إلى كرة ثلج، تكبر كلما تدحرجت أكثر، إلى أن وصل لهيب الاحتجاجات مدنا أخرى قريبة وبعيدة.

وككل الأزمات، طرح في البداية السؤال، ما الذي يقع ؟ وكان الجواب أن الأمر يتعلق باحتجاجات اعتيادية، تلت مقتل محسن فكري، وأنها تحت السيطرة، وبما أنها لم تكن كذلك، وأن التقارير المحلية والجهوية أخطأت التقدير، انتقلت الدولة إلى إعداد التقارير التي تشرف عليها لجان أمنية وطنية، منها التابعة لوزارة الداخلية والمديرية العامة للأمن الوطني وأجهزة الاستخبارات.

عندما اجتمعت المعطيات تقدمت العقلية الأمنية التقليدية بوصفة سحرية مجربة، كتلك التي جابهت بها الدولة احتجاجات سيدي إفني سنوات 2005-2008، بعد الاعتصامات التي قادها المحتجون مطالبين بحقوقهم من الثروات التي تنهبها الشركات ليل نهار، ومن الثروات الوطنية عموما، اقتنصت الدولة بعض الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها أي فعل احتجاجي فقامت بمهاجمة المحتجين ليلا، نكلت بالأسر والنساء والأطفال واعتقلت العديد من قادة الاحتجاجات، وفر من فر منهم إلى الجبال القريبة من المدينة.

كانت التقارير الإعلامية والأمنية كلها تعالج الملف من زاوية واحدة وهي وجود "نزعات انفصالية"، وقدمت أدلة في ذلك، نظرا لكون مدينة سيدي إيفني معروفة بتواجد بعض نشطاء من جبهة البوليزاريو، واستندت أيضا إلى خطأ أحد قادة الاحتجاجات بعد تقديم خبر للجزيرة عن وجود قتلى في المداهمات الأمنية. كان ذلك كافيا لصك اتهامات ثقيلة ومطاردة قادة الاحتجاجات.

وطبعا حين تقوم الأجهزة الأمنية بتوجيه اتهامات من قبل وجود "نزوعات انفصالية"، فهي تحاول فرملة التعاطف الشعبي مع الاجتجاجات، وإيجاد غطاء لأي عنف قد ينجم عن التدخلات الأمنية.

 بعد اتساع احتجاجات الريف تقدم الطباخ بنفس الوصفة، توجيه الاتهامات الغليظة بـ"الإنفصال"، وتلقي أموال من الخارج لزعزعة الاستقرار الداخلي ..هكذا، بموازاة إنزال أمني كثيف، وكل الاستعدادات للمداهمات الليلية والاعتقالات والتنكيل وغيرها، لكن ما الذي خان الطباخ وجعل الوصفة بطعم العلقم في أفواه صانعيها؟

تختلف الحسيمة عن سيدي إيفني، لأنها تحتفظ بجراح عميقة تعود إلى الخمسينيات من القرن الماضي، وتحديدا إلى أحداث سنة 1958، كما تحتفظ بنصف قرن من العقاب الجماعي، الذي جعلها تحرم من أبسط مقومات العيش الكريم، من مستشفيات ومؤسسات جامعية ومناطق صناعية وطرق معبدة... بالإضافة إلى ما تحتفظ به الحسيمة والريف من أوصاف قدحية خطرة، من الملك الحسن الثاني نفسه الذي وصف أبناء الريف بالأوباش والانفصاليين وأبناء الاسبان وغيرها...

وتختلف الحسيمة لأنها تعاني من ممارسة وصاية عقيمة، تتمثل في فرض جيش من المفسدين لتقلد المناصب على مستوى المؤسسات المجالية والجهوية، وهو ما أدى إلى مراكمة سنوات من الفساد، وسنوات من التردي في الحد الأدنى من الخدمات، فتشكلت ثروات هائلة لدى المنتخبين ومسؤولين أمنيين من مختلف الأجهزة، خاصة الجمارك والدرك الملكي، في استغلال مشين لملف "الكيف".

أما زمنيا، فمن الغباء قياس سنة 2017 على سنة 2005 أو حتى 2008، ففي العشر سنوات تغيرت أشياء كثيرة، وحدثت ثورة إعلامية هائلة، وأتذكر في سنة 2005 أن لا تأثير للفايسبوك، وكان "اليوتيوب" في بداياته الأولى، وهو الذي استغله المحتجون بشكل طفيف بسيدي إيفني.

وللمتتبع أن يقيس الفارق، في ظل ثورة "البث المباشر"، و"المشاركة" واليوتيوب"، والمواقع الإلكترونية، وثورة "الأندرويد"، وغيرها...

إننا نتقدم في السنوات فلا نخلف إلا مزيدا من التهميش والفقر وإفقار الفقير، وإغناء الغني، فالدولة التي تكافئ مارقيها ومفسديها وعابثيها وتضرب شرفائها بقبضة من حديد، لن تخلف سوى مزيدا من الأحقاد في النفوس، لذلك فلا عجب في مشاهدة الإصرار على الخروج إلى الشارع بالرغم من العسكرة والاعتقالات والترهيب...

إن الوصفات التي تقدمها العقلية القديمة لن تحل الأزمة، وإن قدمت مسكنات لتأجيلها، ولن يحل الاحتقان غير إعادة طرح مسألة الديمقراطية والتنمية على طاولة النقاش، لتجاوز الوضع الذي يعيشه المغرب، والمتمثل في وضعية "التردد".

تعليقات الزوار ()

اوقات القطار

الإنطلاق من
الوصول الى

أوقات الصلاة و حالة الطقس

اختر مدينتك
حالة الطقس
الحرارة العليا °C
الرطوبة %
سرعة الرياح mps
الصلاة التوقيت
الفجر 00
الظهر 00
العصر 00
المغرب 00
العشاء 00